ابن أبي العز الحنفي

24

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَأَوَّلُهُمُ السَّلَفُ الْقَدِيمُ مِنَ التَّابِعِينَ الْأَوَّلِينَ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الدِّينِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْوَسَطِ بِالْإِمَامَةِ . فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ لِبِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ : الْعِلْمُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْجَهْلُ ، وَالْجَهْلُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِذَا صَارَ الرَّجُلُ رَأْسًا فِي الْكَلَامِ قِيلَ : زِنْدِيقٌ ، أَوْ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ ، أَرَادَ بِالْجَهْلِ بِهِ اعْتِقَادَ عَدَمِ صِحَّتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ نَافِعٌ ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ أَوْ تَرْكَ الِالْتِفَاتِ إِلَى اعْتِبَارِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصُونُ عِلْمَ الرَّجُلِ وَعَقْلَهُ ، فَيَكُونُ عِلْمًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ ، وَمَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ ، وَيُقَالُ : هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ . وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - شِعْرًا : كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ . . . إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا . . . وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَتَاوَى : أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِعُلَمَاءِ بَلَدِهِ : لَا يَدْخُلُ الْمُتَكَلِّمُونَ ، وَأَوْصَى إِنْسَانٌ أَنْ يُوقَفَ مِنْ كُتُبِهِ مَا هُوَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ ، فَأَفْتَى السَّلَفُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ . ذُكِرَ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ . فَكَيْفَ يُرَامُ الْوُصُولُ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ ، بِغَيْرِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ؟ !